سيد محمد طنطاوي
18
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ينبت به الزرع ، ويحيى به الإنسان . . . أي : وفي السماء سبب رزقكم ، سمى المطر سماء لأنه من السماء ينزل . وقال سفيان الثوري : * ( وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ ) * أي : عند اللَّه في السماء رزقكم « 1 » . وقوله : * ( وما تُوعَدُونَ ) * أي : وفي السماء محددة ومقدرة أرزاقكم . وما توعدون به من ثواب أو عقاب ، ومن خير أو شر ، ومن بعث وجزاء . و * ( ما ) * في محل رفع عطف على قوله * ( رِزْقُكُمْ ) * أي : وفي السماء رزقكم والذي توعدونه من ثواب على الطاعة ، ومن عقاب على المعصية . فالآية الكريمة وإن كانت تلفت الأنظار إلى أسباب الرزق وإلى مباشرة هذه الأسباب ، إلا أنها تذكر المؤمن بأن يكون اعتماده على خالق الأسباب ، وأن يراقبه ويطيعه في السر والعلن لأنه - سبحانه - هو صاحب الخلق والأمر . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بهذا القسم فقال : * ( فَوَ رَبِّ السَّماءِ والأَرْضِ إِنَّه لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) * . والضمير في قوله * ( إِنَّه ) * يعود إلى ما سبق الإخبار عنه من أمر البعث والحساب والجزاء والرزق . . وغير ذلك مما يدل على صدق الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فيما أخبر به عن ربه . ولفظ « مثل » منصوب بنزع الخافض ، و « ما » مزيدة للتأكيد أي : فوحق رب السماء والأرض ، إن جميع ما ذكرناه لكم في هذه السورة ، أو في هذا القرآن ، حق ثابت لا مرية فيه ، كمثل نطقكم الذي تنطقونه بألسنتكم دون أن تشكوا في كونه قد صدر عنكم لا عن غيركم . فالمقصود بالآية الكريمة ، تأكيد صدق ما أخبر به اللَّه - تعالى - عباده في هذه السورة وغيرها ، لأن نطقهم بألسنتهم حقيقة لا يجادل فيها مجادل ، وكذلك ما جاء به الرسول صلى اللَّه عليه وسلم من عند ربه ، وما تلاه عليهم في هذه السورة وغيرها ، حق ثابت لا ريب فيه . وهكذا نرى هذه الآيات قد بشرت المتقين بألوان من البشارات ، ثم لفتت عقول الناس إلى ما في الأرض وإلى ما في أنفسهم وإلى ما في السماء من عظات وعبر . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قصص بعض الأنبياء السابقين فبدأت بجانب من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة الذين جاؤوا لبشارته بابنه إسحاق ، فقال - تعالى :
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 41 .